الرقيق القيرواني

103

تاريخ افريقية والمغرب

فكنت اختلف إلى داره طمعا أن أصل إليه ، فجلست يوما أتفكر في تغربّى وما حرمته من السماع منه ، وقد أدركته إلى أن فتح الباب ، وإذا بجارية فقالت : « مالك » ؟ فقلت : « أنا رجل غريب » ، واعلمتها بخبري ، قالت : « وأين بلدك ؟ » قلت : « إفريقية » فاسترجعت وقالت : « أتعرف دار بنى فرّوخ ؟ » قلت : « أنا ابن فرّوخ » فقالت : « عبد اللّه ! » قلت : « نعم » ، فإذا هي جارية كانت من بلادنا ، وكنت رضيعا لها فبعناها صغيرة ، فصارت إلى الأعمش وكانت لها دالّة عليه ، فدخلت عليه فقالت له : « إن ابن مولاي الذي كنت أخبرك به بالباب ، فأمرها بإدخالى ، وأسكننى في بيت قبالته ، فكنت أسمع منه وحدى ، وقد حرم سائر الناس إلى أن قضيت أربا من سماعى منه . وكان مالك بن أنس - رحمه اللّه - يكرمه ويعظّمه ، وكانت لمالك - رحمه اللّه - فراسة لا تكاد تخطىء ، نظر يوما إلى ابن فرّوخ فقال : « هذا فقيه بلده » ونظر إلى ابن غانم فقال : « وهذا قاضى بلده » ، ونظر إلى البهلول بن راشد فقال : « وهذا عابد بلده » . وقدم عبد اللّه بن فرّوخ المدينة حاجّا ، فلما نزل لبس ثيابه ثم توجّه إلى قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم فسلّم عليه ثم أتى مالك بن أنس مسلّما ، فلما رآه قام إليه وكان لا يكاد يفعل ذلك لكثير من الناس ، وأجلسه إلى جانبه وسأله عن أحواله وقدومه فأعلمه أن قدومه كان في الوقت ، فقال : « صدقت لو كان قدومك تقدّم لعلمت ، ولو علمت لأتيتك » وجعل مالك لا ترد عليه مسألة وعبد اللّه حاضر إلّا قال له : « أجب يا أبا محمد ، » فيجيب ، فيقول مالك للسائل : « هو كما ذكر لك » قال : ثم التفت مالك إلى أصحابه فقال : « هذا فقيه المغرب » ، وكان على هديه وورعه يقول لتحليل النبيذ ويشربه ، ويروى أحاديث في تحليله ، وكان يرى الخروج على أهل الجور والظلم ، وواعد أصحابه على الخروج ، وكان يتعاهد معهم أن يتوافوا بباب أصرم ، فما وافاه إلا أبو محرز وجم أصحابه ، واتصل ذلك بروح بن حاتم ، فقال له : « بلغني أنك ترى الخروج علينا ؟ » قال : « نعم » فتعاظم ذلك روح من قوله وقال له : « في كم ؟ » قال : « في ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلا عدة أهل بدر كلهم أفضل منى » ، فقال له روح : « قد أمنّا أن يخرج علينا أبدا لأنّه لا يجد أحدا